فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » الإساءة إلى القائم (عليه السلام) ليست أوّل قارورة كسرت في الإسلام
 كتب المركز

الكتب الإساءة إلى القائم (عليه السلام) ليست أوّل قارورة كسرت في الإسلام

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد أحمد الاشكوري الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٤٠٠٢٩ التعليقات التعليقات: ٠

الإساءة إلى القائم (عليه السلام)
ليست أوّل قارورة كسرت في الإسلام

تأليف: السيّد أحمد الاشكوري
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام)
الطبعة الثانية: ١٤٣٣هـ
رقم الإصدار: ١٢٥

فهرست الموضوعات

مقدّمة المؤلّف..................٣
الضرورة التكوينية لحكم الصالحين..................٤
الإمكان والولادة والحياة..................٧
فائدة الإمام مع الغيبة..................١٤
مقامه (عليه السلام)..................١٦
الإمامة في السنّ المبكر..................٢٠
الغيبتان وخصائصهما..................٢٠
الغيبة من أسرار الله (عزَّ وجلَّ)..................٢٣
خصائص الغيبة الصغرى..................٢٤
خصائص الغيبة الكبرى..................٢٥
حقيقة الغيبة..................٢٦
علامات الظهور..................٢٨
ما بعد الظهور..................٣٣
المناهج المعرفية في قراءة القضيّة المهدوية..................٣٥
١ - المنهج الروائي..................٣٦
٢ - المنهج العقلي..................٣٦
أهمّ شبهات المنكرين..................٣٧
خصوصيات الإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٩
الإساءة إلى فكرة المهدي (عليه السلام)..................٤٣
مناشئ الادّعاءات الباطلة..................٥٣
نتائج البحث..................٥٥
مصادر التحقيق..................٥٨

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف:
ما زلنا بحاجة إلى بذل الوسع لفهم العقائد الحقّة، ممَّا يستدعي تنوير وإضاءة الموقف علمياً وعملياً، وتحليل الصورة بشكلها الدقيق دفعاً للخرافة والبدعة، واحترازاً عن الجهل والمغالطة، وابتعاداً عن الاستغلال والتلاعب بالعقول، وتخوّفاً من الاختراق وتسييس العقائد، وزجّ الناس في المآرب والمقاصد الذاتية، أو تشويه الصورة فتصير مدعاة للطعن والسخرية.
ومن أخطر الحروب الفكرية وأهمّها فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) فقد مرَّت بأطوار شتّى, وعاشت طرفي النقيضين, واستغلت وأُسيئ إليها.
ومن هنا لا بدَّ من استمرار الترشيد على صعيد الجوانح والجوارح، وعلى مستوى العقل والقلب والعمل، لتحيى النفس بتجاذبها مع معاملة الحقيقة.
ولكي نقترب من واقع العقيدة ونستوحي فلسفة الإصلاح العالمي لا بدَّ لنا من التأكيد على عدَّة عناوين ونتكلَّم عنها على نحو الإجمال والإشارة, وللتفصيل مجاله الخاصّ.

↑صفحة ٣↑

الضرورة التكوينية لحكم الصالحين:
إنَّ حكم الصالحين قانون تكويني، لأنَّ حكومات الظالمين على خلاف نواميس الخلقة، والمجتمع البدائي - وإن كان متقدّماً تكنولوجياً - إلّا أنَّه يحكمه الظلم والظالم. وكلَّما تكامل وسار في طريق العدالة الاجتماعية على المستوى التنظيري والأيدلوجي اقترب إلى حكومة الصالحين. فهو أمر يقتضيه النهج التكاملي والرقي بالمجتمع تقنيناً.
وبكلمة: بعدما كان هناك خير وكمال، والمجتمع بتكامله ونضجه العلمي والفطري يسير نحو الخير، من هنا لا بدَّ للحركة التكاملية من غاية جمالية يرتسمها ويسير نحوها وفق قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، وهذا قانون تكويني قبل أن يكون وعداً إلهياً. وقد ورد في الكتب السماوية كافّة من قبل أنَّ الصالحين سيرثون الأرض ويسكنون فيها، فإنَّ عالم الوجود والخلق محكوم بقانون النظم, ولا مجال للفوضى فيه مطلقاً، ووجود نظام الخلقة سيكون دليلاً على قبول نظام اجتماعي صحيح في مستقبل عالم الإنسانية، ثمّ إنَّ قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، إشارة إلى أنَّ الهدف النهائي هو حكومة عادلة راسخة الأسس ينتشر فيها الحقّ والأمن والاطمئنان، وتكون ذات تحصينات أسسها العبودية إلّا أنَّها عبادة لا يحتاج الله إليها. وهدفها تربية البشر وتسامي النفوس. وأن تتلاقح العبودية والربوبية، فهي خالية من شوائب الرذائل والأهواء, ولا يمكن أن تتحقَّق هذه الغاية إلّا بتشكيل حكومة

↑صفحة ٤↑

عادلة يقودها الصالحون. لا أنَّ جميع ما في الكون يكون صالحاً، لأنَّ الإنسان خُلق حرّاً ومجال الانحراف فيه موجود.
ومن هنا جاءت فكرة التعايش السلمي في ظلّ الحكومة المنشودة فلأهل الكتاب مكان واسع وحرّية كاملة وعلى جميع الآفاق، ثمّ إنَّ هذه الضرورة التكوينية قد نطقت بها الآثار النقلية أيضاً فقد ورد في رواية جابر، قال: يا رسول الله, وللقائم من ولدك غيبة؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إي وربّي، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]»، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا جابر إنَّ هذا أمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله, مطوي عن عباد الله، فإيّاك والشكّ فيه, فإنَّ الشكّ في أمر الله (عزَّ وجلَّ) كفر»(١).
وحين نستعرض جملة من الآيات القرآنية مثل قوله تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥).
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصفّ: ٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٢٨٨/ باب ٢٦/ ح ٧.

↑صفحة ٥↑

نجد أنَّ هذه الآيات فيها دلالة واضحة على أنَّ مصير الكون سيكون بيد الصالحين، وأنَّ حركة المجتمع لا بدَّ أن تصل إلى هدفها وغايتها المرسومة لها. وهي حكومة الصالحين وأن يسود العدل في المجتمع. وأنَّ هذا وعد إلهي وسُنّة كونية وأمر فطري منشود.
وأمَّا الروايات التي رواها السُنّة والشيعة ففيها من الدلالة - ولو التزاماً - على فكرة المنقذ العالمي والمصلح، وإن اختلفت المدارس الدينية في تحديد هويَّته هل هو المسيح أم غيره؟ هل هو موجود أم سيولد؟ هل هو مبهم أم معيَّن؟ وسنكتفي بالإشارة إليه في ضمن الروايات الإسلاميّة, فإنَّه في هذا المضمار يمكن أن يقال:
١ - البشارة بظهوره، (٦٥٧) رواية.
٢ - إنَّه من أهل بيت النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، (٣٨٩) رواية.
٣ - إنَّه من أولاد الإمام علي (عليه السلام)، (٢١٤) رواية.
٤ - إنَّه من أولاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، (١٩٢) رواية.
٥ - إنَّه من أولاد الحسين (عليه السلام)، (١٤٨) رواية.
٦ - إنَّه من أولاد الإمام زين العابدين (عليه السلام)، (١٨٥) رواية.
٧ - إنَّه من أولاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، (١٤٦) رواية.
٨ - إنَّه يملؤ الأرض قسطاً وعدلاً، (١٣٢) رواية.
٩ - إنَّه له غيبة طويلة، (٩١) رواية.
١٠ - إنَّه يعمّر عمراً طويلاً، (٣١٨) رواية.
١١ - الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، (١٣٦) رواية.
١٢ - الإسلام يعمُّ العالم كلّه بعد ظهوره، (٢٧) رواية.

↑صفحة ٦↑

١٣ - الروايات الواردة حول ولادته، (٢١٤) رواية.
وبهذا نقول: ليس المهدي تجسيداً لعقيدة إسلاميّة ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتَّجهت إليه البشرية، وصياغة لإلهام فطري، فالكلّ آمن في وجدانه بهذه الصياغة وهذا الطموح مع تنوّع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب، بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدَّ إلى غيرهم أيضاً، وانعكس حتَّى على أشدّ الأيدلوجيات بعداً عن ما وراء المادّة كالشيوعية.
ونرى الإنسان اليوم قد سحق الفضائل والمنابع المعنوية، وإن كان قد سخَّر البحر والفضاء والصحراء لصالحه. ومن البديهي أنَّه لا يمكن إقرار العدالة بالقوَّة ولا يمكن تضمين سعادة البشرية بالإنجازات العلمية. فلا بدَّ للإنسانية من التحرّك نحو الإيمان والأخلاق لتنجي نفسها من دوامة الخطر بقيادة مصلح عالمي عظيم ذي خصال فريدة قادر على إدارة هذا المشروع الإلهي. وللقضيّة المهدوية مؤشّرات إيجابية أخرى كإعطاء الأمل للمؤمنين وكونه ﴿كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ (التوبة: ٤٠)، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (النور: ٥٥).
الإمكان والولادة والحياة:
المسلمون بشكل عامّ قد سلَّموا بأصل فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) ولو من دون دلالة على أنَّ هذا الشخص مولود بالفعل، بل يمكن دعوى التواتر على أصل الفكرة، وممَّن ارتضى ذلك

↑صفحة ٧↑

ابن تيمية(٢)، وابن حجر(٣)، بل حتَّى عبد العزيز بن باز(٤)، بل قد روى عشرون راوياً عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك كعثمان بن عفّان، وعلي ابن أبي طالب (عليه السلام)، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وقرّة بن إياس، وعبد الله بن الحارث، وأبو هريرة، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة، وجابر بن ماجد، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعمران بن الحصين، وأُمّ سَلَمة.
وأمَّا أقوال الصحابة ففي الصحاح والمسانيد والسنن, كسنن أبي داود(٥)، وسنن الترمذي(٦)، وابن ماجة(٧)، والداني(٨)، ومسند أحمد(٩)، وأبي يعلى(١٠)، والبزّاز(١١)، وصحيح الحاكم(١٢)، ومعجم الطبراني الكبير(١٣)، والأوسط(١٤)، وأبي نعيم في أربعينه(١٥)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) راجع: منهاج السُنّة ٤: ٢١١.
(٣) راجع: الصواعق المحرقة: ١٦٣/ باب ١١/ فصل ١.
(٤) كما ورد في مجلَّة الجامعة العدد (٣) من السنة الأولى (ص ١٦١).
(٥) راجع: سنن أبي داود ٢: ٣٠٩/ باب كتاب المهدي.
(٦) راجع: سنن الترمذي ٣: ٣٤٣/ باب ما جاء في المهدي.
(٧) راجع: سنن ابن ماجة ٢: ١٣٧٧/ باب خروج المهدي.
(٨) راجع: مسند الداني:٨٢ و٨٣.
(٩) راجع: مسند أحمد ١: ٨٤ , و٣: ٢١ و٢٧ و٣٧ و٥٢, و٥: ٢٢٧.
(١٠) راجع: مسند أبي يعلى ١: ٣٥٩.
(١١) راجع: مسند البزّاز ١: ٢٨١.
(١٢) راجع: مستدرك الحاكم ٤: ٤٦٤ و٥٠٢ و٥١٤ و٥٥٤ و٥٥٧ - ٥٥٨.
(١٣) راجع: المعجم الكبير للطبراني ١٨: ٥١, ٢٣: ٢٦٧.
(١٤) راجع: المعجم الأوسط للطبراني ١: ٥٦, ٤: ٢٥٦, ٥: ٣١١, ٦: ٣٢٨.
(١٥) جمع فيه أربعون حديثاً في المهدي رواها عن الصحابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

↑صفحة ٨↑

والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد)(١٦)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)(١٧)، وغيرها.
وقد وضعت رسائل في ذلك منها: رسالة أبي نعيم في: (أخبار المهدي)، وابن حجر الهيثمي في: (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر)، والشوكاني في: (التوضيح)، وإدريس العراقي في: (كتاب المهدي).
والمنكر يعدُّ شاذّاً من قبيل (ابن خلدون) في تاريخه بانياً على نظريَّته في علم الاجتماع مع كونه معترفاً لبعض الآثار، وأبي زهرة في كتابه (الإمام الصادق)، ومحمّد رشيد رضا في تفسيره (المنار).
بل قد أُلّفت كتب للردّ على ابن خلدون, كأبي العبّاس بن عبد المؤمن المغربي في كتابه: (الوهم المكنون في الردّ على ابن خلدون)، وهكذا أحمد حمد صدّيق في: (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون)، بل قال بعض أهل السُنّة ردّاً لمزعمة ابن خلدون:
(إنَّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو رواية أو روايتين، إنَّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً اجتمع على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) راجع: تاريخ بغداد ٥: ١٥٣.
(١٧) راجع: تاريخ مدينة دمشق ١: ١٨٥, ٢: ٢١٦ و٢١٧.

↑صفحة ٩↑

فلماذا نردّ كلّ هذه الكمّية؟! أكلّها فاسدة؟ لو صحَّ هذا الحكم لانهار الدين، ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي أو حول حاجة العالم إليه، وإنَّما الخلاف حول من هو؟ حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان أو موجود الآن؟ ولا عبرة بالمدَّعين الكاذبين؟ فليس لهم اعتبار، وإذا نظرنا إلى ظهور المهدي نظرة مجرَّدة فإنَّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها, أو على الأقلّ عدم رفضها).
ناهيك عن الآيات القرآنية الدالّة على المهدي كشواهد التنزيل للحسكاني حنفي، وإلزام الناصب للحائري اليزدي.
أمَّا ولادته فيمكن اتّباعها عن طريق:
الأوّل: حديث الثقلين المتواتر والمشهور بين العامّة والخاصّة, أنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(١٨).
لأنَّه يدلُّ على أنَّ العترة الطاهرة مستمرّة مع الكتاب، وهذا الاستمرار لا يمكن تصوّره إلّا بافتراض أنَّ الإمام موجود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة متَّحدة المعنى، راجع: أمالي الصدوق ٦١٦/ ح ٨٤٣/١)؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ٣٤/ ح ٤٠؛ تحف العقول: ٤٢٦؛ دلائل الإمامة: ٢٠/ ح ١؛ الإرشاد ١: ٢٣٣؛ سنن الترمذي ٥: ٣٢٩/ ح ٣٨٧٦؛ فضائل الصحابة للنسائي: ١٥؛ مستدرك الحاكم ٣: ١٠٩؛ المعجم الكبير للطبراني ٣: ٦٦/ ح ٢٦٧٩؛ كنز العمّال ١: ١٧٣/ ح ٨٧٣؛ وغيرها من المصادر.

↑صفحة ١٠↑

الثاني: حديث الاثني عشر خليفة المتَّفق عليه(١٩).
الثالث: حديث «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»، كما رواه الطبرسي في (إعلام الورى) وغيره(٢٠): عن محمّد بن عثمان العمري، عن أبيه، عن أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) في الخبر الذي روى عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال (عليه السلام): «إنَّ هذا حقّ كما أنَّ النهار حقّ»، فقيل: يا ابن رسول الله، فمن الحجّة والإمام بعدك؟ فقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) قد ورد ذكر خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنَّهم اثنا عشر في عدَّة روايات، منها: عن ثابت بن دينار، عن سيّد العابدين علي بن الحسين، عن سيّد الشهداء الحسين بن علي، عن سيّد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الأئمّة من بعدي اثنا عشر، أوّلهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها». (أمالي الصدوق: ١٧٢ و١٧٣/ ح ١٧٥/١١؛ ينابيع المودَّة ٣: ٣٩٥/ ح ٤٦).
 ومنها: عن عامر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يزال أمر أمّتي ظاهراً حتَّى يمضي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش». (أمالي الصدوق: ٣٨٨/ ح ٥٠٠/٩؛ صحيح مسلم ٦: ٣).
ومنها: عن جابر بن سمرة، قال: كنت مع أبي عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فسمعته يقول: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً»، ثمّ أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: قال: «كلّهم من قريش». (أمالي الصدوق: ٣٨٧/ ح ٤٩٩/٨؛ مسند أحمد ٥: ٨٧؛ صحيح البخاري ٨ : ١٢٧).
ومنها: عن ابن مسعود، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «الخلفاء بعدي اثنا عشر كعدَّة نقباء بني إسرائيل». (أمالي الصدوق: ٣٨٧/ ح ٤٩٨/٧؛ مسند أحمد ١: ٣٩٨).
(٢٠) إعلام الورى ٢: ٢٥٣؛ كمال الدين: ٤٠٩/ ح ٩.

↑صفحة ١١↑

(عليه السلام): «ابني محمّد هو الإمام والحجّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية».
وهو يدلُّ على ولادة الإمام (عليه السلام)، فالرواية مطلقة ولسانها عامّ شامل لكلّ الأفراد في جميع الأزمنة، وتدلُّ على أنَّ الإمام موجود في كلّ عصر وزمان. والحديث قد ثبتت صحَّته من كتب العامّة والخاصّة(٢١).
الرابع: أخبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة (عليهم السلام) بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ورؤية بعض الشيعة للإمام, والذي يقرأ التاريخ ويقرأ الروايات يفهم أنَّ الشيعة من الزمان الأوّل كانوا يتداولون فكرة الإمام (عليه السلام) وأنَّه يغيب، وقضيّة السفراء وخروج التوقيعات بواسطتهم(٢٢).
الخامس: أمّة كاملة عاشت تجربة طولها سبعين عاماً هي تجربة النوّاب الأربعة وهذه التجربة تمتاز بوحدة فكر، وحدة خطاب، وحدة انقياد، وحدة تسليم لاسيّما من العلماء الذي شأنهم التشكيك فقد وقفوا خاضعين أمام هذه التجربة ولم يكذّبوها ولا شكَّكوا فيها، ولمزيد من الوجوه لإثبات الولادة نحيل القارئ إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) فقد رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة، راجع: المحاسن للبرقي ١: ٩٢/ ح ٤٦؛ بصائر الدرجات: ٢٧٩/ باب ١٦/ ح ٥؛ قرب الإسناد: ٣٥١؛ الإمامة والتبصرة: ٦٣/ ح ٥٠؛ الكافي ١: ٣٧٧/ باب فيمن عرف الحقّ من أهل البيت ومن أنكر/ ح ٣؛ مسند أحمد ٤: ٩٦؛ سنن البيهقي ٨ : ١٥٦؛ مسند أبي داود الطيالسي: ٢٥٩؛ صحيح ابن حبّان ١٠: ٤٣٤؛ المعجم الكبير للطبراني ١٩: ٣٨٨؛ وغيرها من المصادر.
(٢٢) راجع: دفاع عن الكافي ١: ٩.

↑صفحة ١٢↑

المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) مكتفياً بالعناوين: المهدي التاسع من صلب الحسين، وتحديده بالأسماء والعدد والصفات والشخص، وبشائر الإمام العسكري بولادة المهدي، وتعمّده تكثير العقيقة عن ابنه، وشهادة القابلة وأُمّ الإمام، وهجوم السلطة على دار العسكري بعد وفاته.
وليس تعميره (عليه السلام) أمراً لم يحصل لغيره من الأنام حتَّى تنكره الأفهام أو يعترض فيه الشكّ والأوهام، وأنَّ السؤال عن إمكان طول العمر يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه، ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (الأنعام: ٩١)، فإذا كانت حياته وغيبته برعاية الله فما المشكلة في امتداد عمره؟ وبكلمة: إنَّ الحياة الطويلة إمَّا ممكنة في حدّ ذاتها، أو ممتنعة، والثاني لم يقل به أحد حتَّى الحسّيين، فتعيَّن الأوّل، ﴿فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافّات: ١٤٣ و١٤٤).
وقد حصل للأنبياء والأولياء والأشقياء ولكثير من الأمم كتعمير نوح (عليه السلام): ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلّا خَمْسِينَ عاماً...﴾ (العنكبوت: ١٤)، وكعمر آدم أبي البشر (٩٣٠) سنة، وعاش إبراهيم (١٧٠) سنة، وإسماعيل (١٢٠) سنة، وكذا موسى وهارون (١٣٠) سنة، وسليمان (٧١٢) سنة، ومن المعمّرين الدجّال على ما قيل, والخضر(٢٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) راجع: منتخب الأنوار المضيئة: ٨٥؛ وأفرد المجلسي (رحمه الله) في البحار (ج ٥١/ ص ٢٢٥) باباً للمعمّرين، وألَّف كلّ من أبي حاتم السجستاني والعلاَّمة الكراجكي رسالة خاصّة باسم: (كتاب المعمّرون).

↑صفحة ١٣↑

بل هناك مجموعة من المشتركات بين ظاهرة الإمام والأنبياء في القرآن منها استتار الولادة كموسى، ومنها طول عمره كنوح والخضر، ومنها الاختلاف في بقاءه كعيسى، ومنها إمامته المبكرة كيحيى، ومنها الغيبة كالخضر وذي القرنين، ومنها عموم ملكه كداود وذي القرنين وسليمان بناءاً على كون ذي القرنين نبيّاً.
فائدة الإمام مع الغيبة:
الهدف من تعيين الإمام لا ينحصر في إدارة الأمور السياسية في المجتمع، والحفظ الظاهري للدين وتبيين أحكام الشريعة بالمباشرة فقط، بل هو مضافاً إلى ذلك واسطة الفيض واللطف الإلهي, وهو العلَّة الغائية العظمى في نظام الكون، وقد ورد في الأخبار: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»(٢٤)، وقد ورد في التوقيع الصادر منه (عليه السلام): «وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء...»(٢٥).
والمستفاد من الأخبار أنَّه (عليه السلام) نور الوجود والهداية وهو العلَّة الغائية لإيجاد الخلق, وبه تكشف البلايا عنهم, فلولاه لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب، ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (الأنفال: ٣٣).
وقال الطوسي: (وجوده لطف)، فإيصال العباد إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الكافي ١: ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة/ ح ١٠.
(٢٥) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.

↑صفحة ١٤↑

المطلوب والغاية التي عيّنت لهم في علم الله تعالى وهي الهداية والولاية التكوينية بإذن الله تعالى، بل قال: (وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر, وعدمه منّا)(٢٦).
وعليه فإنَّ ظهوره وإن كان لطفاً، ولكن الغاية التي من أجلها وجد أيضاً ضرورية، ولم يفترض في صاحب الزمان إقامة الحكومة بنحو الإعجاز وإنَّما لا بدَّ من تكوينها على يده وفقاً لسير الأحداث بشكلها الطبيعي.
وكيفما كان إنَّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمان غيبته لا يدلُّ على انتفائها.
على أنَّ الغيبة لا تلازم عدم التصرّف في الأمر مطلقاً، بل قد دلَّت الروايات على وجه الانتفاع في غيبته: «أمَّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب»(٢٧).
وقد ورد قوله (عليه السلام): «وبي يدفع الله (عزَّ وجلَّ) البلاء عن أهلي وشيعتي»(٢٨).
وقوله: «إنّا غير مهملين لمراعاتكم, ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء»(٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) تجريد الاعتقاد: ٢٨٥.
(٢٧) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٢٨) كمال الدين: ٤٤١/ باب ٤٣/ ح ١٢.
(٢٩) المزار للمفيد: ٨؛ الاحتجاج ٢: ٣٢٣.

↑صفحة ١٥↑

مقامه (عليه السلام):
أمَّا مقامه فيمكن وبنحو الاختصار الإشارة إليه:
١ - المسيح (عليه السلام) يقتدي به في الصلاة:
في الحديث عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم - يعني القائم (عليه السلام) -: تعال صلّ بنا, فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة من الله لهذه الأمّة»(٣٠).
وفي حديث آخر: «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم - يعني به المهدي (عليه السلام)-»(٣١)، وعليه اتَّفق العامّة والخاصّة، مع الالتفات إلى قضيّة إمامة الجماعة بناءً على أنَّ بيان الرواية لهذه الواقعة لها مدلول آخر، وهو أنَّ النبيّ يصلّي خلفه، فليست الرواية في صدد الإخبار عن واقعة ستتحقَّق من دون أن يكون لها مدلول التزامي، بل هي في صدد بيان أنَّ النبيّ يصلّي خلفه, ممَّا يعني أنَّ الإمام هو الأفضل, خصوصاً إذا علمنا أنَّها تكون للأفضل, وعيسى (عليه السلام) كما هو معلوم من أولي العزم من الرسل.
٢ - تمنّي بعض الأنبياء مقام ومنزلة المهدي, أو أن يكون هو أو من ذرّيته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) تفسير مجمع البيان ٩: ٩١؛ صحيح مسلم ١: ٩٥.
(٣١) رواه الخاصّة والعامّة بألفاظ مختلفة متَّحدة المعنى، راجع: العمدة لابن بطريق: ٤٣١/ ح ٩٠٣؛ الصراط المستقيم ٢: ٢٢٢؛ تفسير مجمع البيان ٩: ٩١؛ بحار الأنوار ٥١: ٣٠١؛ مسند أحمد ٢: ٣٣٦؛ صحيح البخاري ٤: ١٤٣؛ صحيح مسلم ١: ٩٤؛ صحيح ابن حبّان ١٥: ٢١٣؛ المعجم الأوسط للطبراني ٩: ٨٦؛ وغيرها من المصادر.

↑صفحة ١٦↑

في الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «نظر موسى بن عمران في السفر الأوّل إلى ما يُعطى قائم آل محمّد من التمكين والفضل، فقال موسى: ربّ اجعلني قائم آل محمّد، فقيل له: إنَّ ذاك من ذرّية أحمد، ثمّ نظر في السفر الثاني فوجد فيه مثل ذلك، فقال مثله، فقيل له مثل ذلك، ثمّ نظر في السفر الثالث فرأى مثله، فقال مثله، فقيل له مثله»(٣٢).
وفي البحار: (أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام): إنَّ أمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستصيبهم فتنة عظيمة من بعد أحمد حتَّى يعبد بعضهم بعضاً ويبرأ بعضهم من بعض، حتَّى يصيبهم النكال, وحتَّى يجحدوا ما أمرهم به نبيّهم، ثمّ يصلح الله أمرهم برجل من ذرّية أحمد، فقال موسى: يا ربّ اجعله من ذرّيتي، فقال: يا موسى إنَّه من ذرّية أحمد وعترته، أصلح به أمر الناس, وهو المهدي)(٣٣).
٣ - الإمام خليفة الله في أرضه:
«يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتَّبعوه»(٣٤).
فإنَّ الخلافة من المفاهيم الإضافية المتقوّمة بالخليفة والمستخلف عنه. فلا محالة تختلف شؤون الخلافة ومرتبة الخليفة باختلاف مقام من يستخلف عنه، فإذا كان المستخلف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) الغيبة للنعماني: ٢٤٦ و٢٤٧/ باب ١٣/ ح ٣٤.
(٣٣) بحار الأنوار ٣٦: ٣٧٠.
(٣٤) كشف الغمّة ٣: ٢٧٠/ ح ١٦؛ بحار الأنوار ٥١: ٨١/ ح ٣٧.

↑صفحة ١٧↑

عنه كلّ كمال بما لا يتناهى وهو الذي ليس لعظمته حدّ محدود فيكون الذي استخلفه الله لنفسه وأقامه مقامه وأنابه منابه أعلى شأناً وأجلُّ قدراً من أن تنال العقول منزلته. ومقتضى إضافة الخليفة إلى اسم الله كونه (عليه السلام) آية لجميع أسماء الله الحسنى. باعتبار أنَّ اسم الله موضع لجميع أسماء الله الحسنى.
٤ - مقامه يعلم من مقام أصحابه، وقد ورد الأثر في بيان صفات ومقام أصحابه: عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين [عن فرشهم] من أصحاب القائم (عليه السلام): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، إنَّهم ليفتقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكّة، وبعضهم يسير في السحاب يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه», قال: قلت: جُعلت فداك أيّهم أعظم إيماناً؟ قال: «الذي يسير في السحاب نهاراً»(٣٥).
وعن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كأنّي بأصحاب القائم (عليه السلام) وقد أحاطوا بما بين الخافقين, فليس من شيء إلّا وهو مطيع لهم حتَّى سباع الأرض وسباع الطير, يطلب رضاهم في كلّ شيء، حتَّى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مرَّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم (عليه السلام)»(٣٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) كمال الدين: ٦٧٢/ ح ٢٤.
(٣٦) كمال الدين: ٦٧٣/ ح ٢٥.

↑صفحة ١٨↑

وعن عبد الملك بن أعين، قال: قمت من عند أبي جعفر (عليه السلام) فاعتمدت على يدي فبكيت، فقال: «ما لك؟» فقلت: كنت أرجو أن أدرك هذا الأمر وبي قوَّة، فقال: «أمَا ترضون أنَّ عدوَّكم يقتل بعضهم بعضاً وأنتم آمنون في بيوتكم. إنَّه لو قد كان ذلك أُعطي الرجل منكم قوَّة أربعين رجلاً وجُعلت قلوبكم كزبر الحديد، لو قذف بها الجبال لقلعتها, وكنتم قوّام الأرض وخزّانها»(٣٧).
وفي رواية عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام)، قال: «إذا قام قائمنا أذهب الله (عزَّ وجلَّ) عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر الحديد، وجعل قوَّة الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويكونون حكّام الأرض وسنامها»(٣٨).
٥ - أهل الكهف والخضر وإلياس من أصحاب المهدي (عليه السلام):
عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أصحاب الكهف أعوان المهدي»(٣٩).
وفي رواية: أنَّ الخضر في البحر وإلياس في البرّ، يجتمعان كلّ ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجّان ويعتمران كلّ عام، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل)(٤٠)، طعامهما ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) الكافي ٨ : ٢٩٤/ ح ٤٤٩.
(٣٨) الخصال: ٥٤١/ ح ١٤.
(٣٩) الدرّ المنثور ٤: ٢١٥.
(٤٠) الجامع الصغير للسيوطي ١: ٦٣٦/ ح ٤١٣٣.

↑صفحة ١٩↑

٦ - إنَّه (عليه السلام) محدَّث تحدّثه الملائكة(٤١)، وإنَّ الله قد أخَذَ الميثاق من الخلق له (عليه السلام)(٤٢)، وإنَّه (عليه السلام) ترافقه غمامة تظلّه وفيها ملك(٤٣)، وإنَّ معجزات الأنبياء تظهر على يده(٤٤).
الإمامة في السنّ المبكر:
أمَّا مسألة السنّ المبكر فقد نصَّ القرآن على ثبوت النبوّة للسنّ المبكر، قال تعالى: ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢)، وقد سبق كلّ من الإمام الجواد والهادي (عليه السلام) ذلك، فالجواد (عليه السلام) بين الثمانية والسبعة, والهادي (عليه السلام) في السادسة أو الثامنة، وأمَّا الإمام المهدي (عليه السلام) ففي سنّ الخامسة نال درجة الإمامة.
الغيبتان وخصائصهما:
بداية الغيبة الصغرى من مولده, بعدما كان المقصود من الغيبة هو غيبة الهويّة, وأنَّ الإمام (عليه السلام) من حين الولادة قد غيّبت هويَّته, لا من ابتداء إمامته إلى حين وفاة السفير الأخير، وأمَّا الكبرى فبعد الأولى إلى ظهوره.
أمَّا وجه الغيبة التي هي سُنّة الأنبياء، فقد روى زرارة، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: «إنَّ للقائم غيبة قبل ظهوره»،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) راجع: بصائر الدرجات: ٣٣٩ - ٣٤١/ باب ٥/ ح ١ - ٨.
(٤٢) راجع: بصائر الدرجات: ٤٥/ باب ١١/ ح ٢٠.
(٤٣) راجع: تاريخ مواليد الأئمّة لابن الخشّاب البغدادي: ٤٥.
(٤٤) راجع: إلزام الناصب ٢: ٢٦٠.

↑صفحة ٢٠↑

قال: قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، قال زرارة: يعني القتل(٤٥).
وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يخاف على نفسه الذبح»(٤٦).
وعن إبراهيم بن عمر اليماني، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين»، وسمعته يقول: «لا يقوم القائم ولأحد في عنقه بيعة»(٤٧).
وعن الصادق (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه في دينه»(٤٨).
وعن مفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لصاحب هذا الأمر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله, والأخرى يقال: هلك، في أيّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: «إذا ادّعاها مدَّع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله»(٤٩).
وفي خبر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين, إحداهما تطول حتَّى يقول بعضهم: مات،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) كمال الدين: ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٩.
(٤٦) كمال الدين: ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ١٠.
(٤٧) الغيبة للنعماني: ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٣.
(٤٨) الغيبة للنعماني: ١٧٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢.
(٤٩) الكافي ١: ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ٢٠.

↑صفحة ٢١↑

وبعضهم يقول: قُتِلَ، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلّا نفر يسير، لا يطَّلع على موضعه أحد من وليّ ولا غيره إلّا المولى الذي يلى أمره»(٥٠).
ونشير إلى فوائد من هذه الأحاديث:
١ - كلّ ما ورد من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة (عليهم السلام) في هذا المورد عبارة عن عملية تعبئة نفسية للأمّة الإسلاميّة.
٢ - المراد من الرجوع إلى أهله, أي: النوّاب الأربعة.
٣ - غيبتان: ليس الفارق بين الغيبتين بلحاظ الإمام, أي: إنَّه غاب، ثمّ ظهر, ثمّ غاب، بل لم يظهر الإمام في كلتا الغيبتين وفي تمام الفترتين، وهكذا الفاصل بين الفترتين، كما ليس المراد بلحاظ قصر الزمان وطوله، بل المراد طبيعة ارتباط الإمام مع الشيعة. ففي الصغرى عن طريق السفراء الأربعة، أمَّا في الكبرى لم يكن هناك سفراء, فكان الاتّصال بالإمام في أيّام الغيبة الصغرى متيسّراً بنوع ما حتَّى لغير نوّابه الخاصّين، بخلاف الغيبة الكبرى فهي غير متيسّرة، ولعلَّ الغيبة الصغرى وقعت على ما لها من نوع ارتباط خاصّ بين نوّابه الخاصّين وبين الشيعة تمهيداً لوقوع الغيبة الكبرى، مضافاً إلى أنَّ فائدة الغيبة الصغرى إحراز وجود الإمام وتولّده.
قال المفكّر الشهيد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه): (لوحظ أنَّ هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئة حقَّقت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمّة الإسلاميّة، لأنَّ هذه القواعد كانت معتادة على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) الغيبة للنعماني: ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٥.

↑صفحة ٢٢↑

الاتّصال بالإمام في كلّ عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوّعة. فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سبَّب هذه الغيبة المفاجئة الإحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كلّه ويشتّت شمله، فكان لا بدَّ من تمهيد لهذه الغيبة لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى...)(٥١).
فتخلَّص أنَّ أسباب الغيبة: الخوف عليه, والامتحان والاختبار, وعدم بيعته للظالم.
ففي البحار: عن زرارة بن أعين، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم»، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: «يخاف - وأشار بيده إلى بطنه وعنقه -»، ثمّ قال: «وهو المنتظر الذي يشكُّ الناس في ولادته, فمنهم من يقول: إذا مات أبوه مات ولا عقب له، ومنهم من يقول: قد وُلِد قبل وفاة أبيه بسنتين، لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يجب أن يمتحن خلقه, فعند ذلك يرتاب المبطلون»(٥٢).
الغيبة من أسرار الله (عزَّ وجلَّ):
عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها, يرتاب فيها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) البحث حول المهدي: ١٠٨.
(٥٢) بحار الأنوار ٥٢: ٩٥/ ح ١٠، عن كمال الدين: ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٤.

↑صفحة ٢٣↑

كلّ مبطل». فقلت: ولِمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم». قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ فقال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّم من حجج الله تعالى ذكره, إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره, كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلّا وقت افتراقهما...» الخبر(٥٣).
خصائص الغيبة الصغرى:
أ - ظاهرة النوّاب الأربعة المعروفين للشيعة.
ب - التوقيعات الصادرة منه، وكان خطّه في الكتابة معروفاً مع اختلاف النوّاب وأذواقهم, فإنَّ الخطّ جاء على نسق واحد وبأسلوب خاصّ، عند ملاحظة المجموع يُذعن الخبير كونه صادراً من شخص واحد.
جـ - كثير من التوقيعات مقروناً بالإعجاز والإخبار عن المغيّبات يصدّق بها صدورها عنه (عليه السلام)، (يبلغ عدد الأخبار سبعة وخمسين خبراً)(٥٤).
د - ما صدر من النوّاب لم يكن عن اجتهاد, وإنَّما كانوا وسائط عن الإمام (عليه السلام) فقط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) كمال الدين: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(٥٤) راجع: تنزيه الشيعة الاثني عشرية عن الشبهات الواهية لأبي طالب التجليل التبريزي ٢: ٤٨٢.

↑صفحة ٢٤↑

خصائص الغيبة الكبرى:
قال الصدوق بسنده: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ علي بن محمّد السمري (قدَّس الله روحه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام, فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري, أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام, فاجمع أمرك, ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية, فلا ظهور إلّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة, ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذبٍ مفتر, ولا حول ولا قوَّة إلّا بالله العلي العظيم»(٥٥).
والمقصود من قوله (عليه السلام): «وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة» بقرينة الصدر: أنَّ المراد بدعوى المشاهدة هي المشاهدة على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، وبهذا الوجه ونحوه كما سيأتي لا تنافي بين هذا التوقيع وبين الوقائع الكثيرة المذكورة في كتب عديدة كالبحار والنجم الثاقب ودار السلام للعراقي وغيرها الدالّة على وقوع المشاهدة في زمان الغيبة الكبرى لكثير من المؤمنين الذين فازوا بشرف لقائه (عليه السلام).
وممَّا يدلُّ على انقطاع النيابة الخاصّة في الغيبة الثانية أنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.

↑صفحة ٢٥↑

هذه المسألة عامّة البلوى، ولم ينقل أحد من علمائنا من زمان الأئمّة (عليهم السلام) إلى زماننا بخبر واحد يدلُّ تصريحاً أو تلويحاً أو إشعاراً على وقوع النيابة الخاصّة في الغيبة الكبرى, مع دقَّة العلماء وكثرة التتبّع واهتمامهم بنقل الأحاديث وتدوينها وروايتها، حتَّى ضبطوا الأخبار المشتملة على المطالب الجزئية، فعليه فإنَّ من ضروريات مذهب الإمامية كذب مدَّعي النيابة الخاصّة.
فتلخَّص: أنَّ المعتمد في زمن الغيبة هم العلماء العاملون الحافظون لحدود الله كما في التوقيع الصادر وغيره: «أمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(٥٦).
حقيقة الغيبة:
المستفاد من الأدلَّة أنَّ الإمام ليس له غيبة بنحو غياب الشخص، أي: ليس لا بدَّ له أن يعيش بمعزل عن البشر, وأنَّه ممنوع الرؤيا, وأنَّ نمط حياته يختلف عن سائر البشر، بل الظاهر أنَّ الإمام بشخصه موجود في المجتمع, ويحضر المجالس, ونذكر هنا روايتين:
١ - عن سدير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ في القائم سُنّة من يوسف», قلت: كأنَّك تذكر خبره أو غيبته؟ فقال لي: «وما تنكر من ذلك هذه الأمّة أشباه الخنازير، إنَّ إخوة يوسف كانوا أسباطاً أولاد أنبياء، تاجروا يوسف وبايعوه وهم إخوته وهو أخوهم, فلم يعرفوه حتَّى قال لهم: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤؛ الغيبة للطوسي: ٢٩١/ ح ٢٤٧.

↑صفحة ٢٦↑

أَخِي﴾، فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجَّته عنهم، لقد كان يوسف يوماً ملك مصر، وكان بينه وبين ولده مسيرة ثمانية عشر يوماً, فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرّفه مكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة في تسعة أيّام إلى مصر، فما تنكر هذه الأمّة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه، حتَّى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) له أن يعرّفهم نفسه كما أذن ليوسف (عليه السلام) حين قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾ [يوسف: ٨٩ و٩٠]»(٥٧).
٢ - قوله (عليه السلام): «يفقد الناس إمامهم, يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»(٥٨).
وعليه فالمراد من الغيبة هو غياب الهويّة، أي لا يعلمون أنَّه هو المهدي مع أنَّه موجود بينهم.
ويبقى السؤال: هل هو متزوّج أم لا؟ وهل له ذرّية أم لا؟
إنَّه وإن ورد في بعض الأخبار والأدعية ما ربَّما يستفاد منه الزواج وله ذرّية, لكن بعد الإغماض عن سندها ليس في هذه الآثار ما يظهر منها أنَّ لهذه الذرّية مزيّة تؤثّر في المسار العامّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) كمال الدين: ١٤٤ و١٤٥/ باب ٥/ ح ١١.
(٥٨) الكافي ١: ٣٣٧ و٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٦.

↑صفحة ٢٧↑

الشيعي، نعم قد يتصيَّد البعض نحو تكريم لهذه الذرّية وسعى في تطبيقها على الخارج, إلّا أنَّ هذا منافٍ لما هو المتَّفق عليه عند علمائنا من سدّ باب النيابة والوكالة الخاصّة والارتباط الخاصّ به، مضافاً إلى انحراف ظاهرة التطبيق.
علامات الظهور:
الظاهر أنَّ المقصود من العلامات المذكورة في الروايات الإشارة إلى حتمية وجود الإمام، ولابدّية خروجه، وبيان أهداف نهضته، وإفلاس المدارس الفكرية عن تحقيق الأهداف المنشودة، والتأكيد على فكرة الانتظار, فهو مستحبّ نفسي لا غيري؛ وذلك لما ورد من إمكان نسخ جل هذه العلامات, وأنَّ هذه العلامات لم تتحقَّق دفعة واحدة، بل بعضها تحقَّق في زماننا, فيلزم لغوية العلامة في زماننا، فلا ينبغي حصر العلامة بفائدة واحدة، إذ مع الانحصار عند تحقّق العلامة تفقد الأثر من حيث هي علامة ذا أثر منحصر(٥٩)، إذن لو كان للعلامة أكثر من فائدة - كما هو التحقيق - فحتَّى مع تحقّقها تبقى ذات فائدة.
بل لنا أن نقول: إنَّ هذه العلامات فيها من السعة والكلّية حتَّى يمكن تطبيق بعضها في جميع الأزمنة لتحصيل الهدف, وهو الخوف والرجاء، وللتنظير الاستعانة بالعلامات القرآنية المحدّثة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) كأن يكون فيها دلالة على الغيب فقط، بينما نريد أن تبقى محافظة على دلالتها على الظهور، وهي باقية حتَّى مع حدوثها، بل هي آكدة في هذا المقصود.

↑صفحة ٢٨↑

عن قيام الساعة (راجع سورة التكوير والانفطار)، فإنَّه لا يتعقَّل لها أثر، العلاقة الموضوعية إنَّما هي للتنبيه على قيام الساعة، أو نظير البشائر المذكورة في الكتب السماوية لظهور الخاتم. ولنا أن نشير إلى بعض تلك العلامات:
١ - انتشار الظلم, وشيوع الجور, وانعدام الأمن والاستقرار، وشيوع الحرب والخسوف والكسوف:
كما يروي أبو سعيدٍ الخدري، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «لا يزال بكم الأمر (الشدّة والضيق) حتَّى يولد في الفتنة والجور من لا يعرف غيرها حتَّى يملأ الأرض جوراً، فلا يقدر أحد يقول: الله، ثمّ يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً منّي ومن عترتي، فيملأ الأرض عدلاً كما ملأها من كان قبله جوراً، وتُخرج له الأرض أفلاذ كبدها، ويحثو المال حثواً ولا يعدّه عدّاً، وذلك حين يضرب الإسلام بجرانه»(٦٠).
وعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ينزل بأمّتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لم يسمع بلاء أشدّ منه, حتَّى تضيق عنهم الأرض الرحبة, وحتَّى تملأ الأرض جوراً وظلماً, لا يجد المؤمن ملجأ يلتجئ إليه من الظلم, فيبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً من عترتي, فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً, يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض, لا تدَّخر الأرض من بذرها شيئاً إلّا أخرجته, ولا السماء من قطرها شيئاً إلّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) أمالي الطوسي: ٥١٢ و٥١٣/ ح (١١٢١/٢٨).

↑صفحة ٢٩↑

صبَّه الله عليهم مدراراً, يعيش فيهم سبع سنين أو ثمان أو تسع, تتمنّى الأحياء الأموات ممَّا صنع الله (عزَّ وجلَّ) بأهل الأرض من خيره»(٦١).
فتلخَّص أنَّ مظاهر البلاء والظلم يتمثَّل في:
أ - الفتن.
ب - امتلاء الأرض بالظلم والجور والعدوان.
جـ - الحرب والطاعون.
٢ - خروج الدجّال:
تظافرت الأخبار بحتمية ظهوره، ولقد حذَّر الأنبياء أجمعهم من فتنة الدجّال وإغرائه ودعواه الكاذبة التي تصد عن الحقّ وتلقي الناس في شرّ عظيم، ومن أبرز خصائصه يأتي الناس بالطعام لإغرائهم وصدّهم عن سبيل الله، وتسخير الكنوز له, واتّباع اليهود له, ويسخّر آفاق الأرض وهو آخر الأئمّة المضلّين وقائد الفئة المضلَّة، ويظهر من بعض الآثار أنَّ التحالف بين النواصب واليهود سيبلغ أوجه في زمن الإمام المهدي (عليه السلام) وتكون نهاية النواصب أن يرتدّوا عن الإسلام ويتبعوا الدجّال زعيم اليهود.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنّي خاتم ألف نبيّ وأكثر, ما بعث نبيّ يُتَّبع إلّا قد حذَّر أمّته الدجّال, وإنّي قد بُيّن لي من أمره ما لم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) مستدرك الحاكم ٤: ٤٦٥؛ كنز العمّال ١٤: ٢٧٥/ ح ٣٨٧٠٨.

↑صفحة ٣٠↑

يُبيَّن لأحد,... معه من كلّ لسان, ومعه صورة الجنّة خضراء يجرى فيها الماء, وصورة النار سوداء تداخن»(٦٢)(٦٣).
٣ - خروج السفياني:
والكلام هل أنَّه شخص, أم أسرة, أم فكرة؟ وهكذا الكلام في العلامة السابقة, وقد أسلفنا أنَّ الهدف المتوخّى من هذه العلامات الإشارة إلى التحذير في الوقوع في مدارس الضلال والانحراف ومدارس الازدواجية الفكرية والمدارس الالتقاطية. نعم, لا بأس بالتعرّض للحركات الممهّدة قبل الظهور والحركات المناوئة قبل الظهور وحين الظهور على المستوى التنظيمي والشخصي.
٤ - الرايات السود التي تخرج من خراسان أو من المشرق:
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «إذا رأيتم الرايات السود قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) مسند أحمد ٣: ٧٩.
(٦٣) وقد اختلفت روايتنا عن رواية العامّة في شرح أحوال الدجّال، وقد ضخَّموه وجعلوا له قدرة خيالية وأسطورية، ووصف الدجّال بالمسيح وهو وصف لم يصرّح في مصادرنا، وإنَّما هو منقول عن اليهود لشدَّة عدائهم للمسيح، وقد رُوي في بعض كتب العامّة أنَّ الدجّال عربي وأنَّ المهدي لا يحقّق هدفه بل يُقتل على يد الروم، وأنَّ الكعبة تُهدم ومكّة تُخرب وتنتهي الدنيا بعد الدجّال وتقوم القيامة، وفي كلّ هذا تأمّل واضح، فما ورد مقبولاً أنَّ ظهور المهدي (عليه السلام) مرحلة جديدة في حياة الناس على الأرض، وأنَّ الحياة تستمرُّ في ظلّه إلى ما شاء الله حتَّى يوم القيامة، وخروج الدجّال إنَّما هو حدث في أوائل ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ونزول المسيح يتمُّ الانتصار عليه، ثمّ يكون بعده اثنا عشر مهدياً، ثمّ بحث الرجعة، ولا عودة للظلم إلى الأرض بعدها.

↑صفحة ٣١↑

أقبلت من خراسان فائتوها ولو حبواً على الثلج, فإنَّ فيها خليفة الله المهدي»(٦٤).
وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهدي (عليه السلام) بعث إليه بالبيعة»(٦٥).
٥ - نداء ملك السماء يبشّر بظهور الإمام ويدعو الناس إلى متابعته:
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: هذا المهدي فاتَّبعوه»(٦٦).
٦ - كسوف الشمس والقمر قبل خروج المهدي (عليه السلام):
أكَّد الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ الشمس والقمر تنكسفان في شهر رمضان في غير ما جرت به العادة قبل خروج المهدي، ففي سنن الدارقطني: عن جابر, عن محمّد بن علي (عليه السلام)، قال: «إنَّ لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق السماوات والأرض, ينكسف القمر لأوّل ليلة من رمضان, وتنكسف الشمس في النصف منه, ولم تكونا منذ خلق الله السماوات والأرض»(٦٧).
٧ - علامات أخرى يمكن مراجعتها في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد (قدّس سرّه)، وغيره من المصادر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) بحار الأنوار ٥١: ٨٢/ ح ٣٧، عن كشف الغمّة ٣: ٢٧٢/ ح ٢٦.
(٦٥) الغيبة للطوسي: ٤٥٢/ ح ٤٥٧.
(٦٦) بحار الأنوار ٥١: ٨١/ ح ٣٧، عن كشف الغمّة ٣: ٢٧٠/ ح ١٧.
(٦٧) سنن الدارقطني ٢: ٥١/ ح ١٧٧٧.

↑صفحة ٣٢↑

ما بعد الظهور:
١ - يملؤ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً:
عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تقوم الساعة حتَّى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً, ثمّ يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وعدواناً»(٦٨).
٢ - الدولة العالمية:
عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لمَّا عُرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومن السدرة إلى حجب النور، ناداني ربّي (جلَّ جلاله): يا محمّد أنت عبدي وأنا ربّك، فلي فاخضع، وإيّاي فاعبد، وعليَّ فتوكَّل، وبي فثق، فإنّي قد رضيت بك عبداً وحبيباً ورسولاً ونبيّاً، وبأخيك علي خليفةً وباباً، فهو حجَّتي على عبادي، وإمام لخلقي، به يُعرف أوليائي من أعدائي، وبه يُميَّز حزب الشيطان من حزبي، وبه يقام ديني، وتحفظ حدودي، وتنفذ أحكامي، وبك وبه وبالأئمّة من ولده أرحم عبادي وإمائي, وبالقائم منكم أُعمّر أرضي بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه أُطهّر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه أُحيي عبادي وبلادي بعلمي، وله أظهر الكنوز والذخائر بمشيئتي، وإيّاه أظهر على الأسرار والضمائر بإرادتي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) مستدرك الحاكم ٤: ٥٥٧.

↑صفحة ٣٣↑

وأمدّه بملائكتي لتؤيّده على إنفاذ أمري، وإعلان ديني, ذلك وليّي حقّاً ومهدي عبادي صدقاً»(٦٩).
٣ - عهد الكفاية والرخاء المطلق:
عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه), عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «تنعم أمّتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قطّ, تُرسل السماء عليهم مدراراً, ولا تدع الأرض شيئاً من النبات إلّا أخرجته, والمال كدوس, يقوم الرجل يقول: يا مهدي أعطني, فيقول: خذ»(٧٠).
٤ - الله تعالى يظهر بالإمام المهدي دين الإسلام على جميع الأديان:
عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصفّ: ٩]، فقال: «والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتَّى يخرج القائم (عليه السلام), فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه, حتَّى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله»(٧١).
٥ - سكّان الأرض والسماء يحبّون المهدي ويرضون منه:
عن حذيفة بن اليمان, عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدرّي، اللون لون عربي، والجسم جسم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) أمالي الصدوق: ٧٣١/ ح (١٠٠٢/٤).
(٧٠) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٤٩/ ح ١٨٢، عن كتاب الفتن للمروزي: ٢٢٣.
(٧١) كمال الدين: ٦٧٠/ باب ٥٨/ ح ١٦.

↑صفحة ٣٤↑

إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجوّ, يملك عشرين سنة»(٧٢).
٦ - يلهم الله الإمام العلوم حتَّى العلوم الطبيعية، ويتَّصل أهل الأرض بأهل الكواكب الأخرى، وتتطوَّر الحياة في عصره، ورؤية المؤمنين للملائكة، وإحياء الموتى، ويحيي الله الأرض، ويحثو المال للناس حثياً بدون عدّ، ويسع عدله والرخاء في عصره البرَّ والفاجر، وتحقّق الضمان الاجتماعي والاقتصادي، وتعميم الثقافة والعمران، وارتقاء الوضع الصحّي والروحي.
وتبقى هناك بحوث أخرى, وهو عمر حكومة الإمام وخصوصياتها، وما بعد حكومة الإمام، وبحث الرجعة، وأصحاب الإمام، والخصوصيات الفكرية والذاتية لهم.
المناهج المعرفية في قراءة القضيّة المهدوية:
ما من علم إلّا وله معايير معرفية ومناهج فكرية, وليس هناك معيار معرفي واحد في جميع الفنون. ولا تنفضّ الخصومة إلّا على وفق المعيار والملاك المعرفي. ومن هنا يمكن تقسيم الفنون على وفق المعايير, فالمعيار للعلوم الإنسانية غير المعيار للعلوم التجريبية، وغير المعيار للعلوم السمعية والنقلية والعقلية. وكذلك التحقيق وتحديد الموقف في آليته التنفيذية، فالعلم اللساني لا بدَّ له من التحقيق في بحث الصدوري والدلالي والجهتي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) العمدة لابن بطريق: ٤٣٩/ ح ٩٢٢.

↑صفحة ٣٥↑

وهل له معارض؟ وكيف يمكن فكّ التعارض؟ وما الغاية من العلم؟ وموسوعة الإمام المهدي هي منظومة فكرية تتَّكئ على الرواية من الزاوية العقائدية، وعلى السجل التاريخي، وعلى المنهج الاستقرائي، وعلى مباني عقائدية مسبقة. وسنذكر فيما يلي نموذجين:
١ - المنهج الروائي:
ونحيل القارئ إلى دراسة الباحث ثامر العميدي (دفاع عن الكافي), ومن أهمّ الأمور التي تعرَّض إليها تحليل فكرة الاعتقاد بالمهدي، ومناقشة ابن خلدون, ونقله أكثر من ثمان وخمسين شهادة وتصريح بصحَّة أحاديث المهدي وتواترها، ثمّ مناقشته لمن أنكر الولادة، وإبرازه لأدلَّة واعترافات من أهل السُنّة بدءاً من القرن الرابع الهجري وحتَّى قرننا الحالي بولادة الإمام المهدي، ومناقشة لفرية السرداب. ونحيل أيضاً إلى دراسة عبد المحسن العباد (عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهدي المنتظر) مجلَّة الجامعة الإسلاميّة/ العدد الثالث/ السنة الأولى.
٢ - المنهج العقلي:
(منهج السيّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه))، ولم يعتمد المؤلّف تتبّع القضيّة في كتب التفسير والرواية أو المناقشة في الأسانيد، وإنَّما سلك مسلكاً آخر, فبدأ بطرح التساؤلات والإشكالات ممَّا قيل ويقال، ثمّ بدأ بالمناقشة بالدليل العقلي, وإليك معالم الدليل:
أ - إعطاء تصوّر لفكرة المهدي في التراث الديني والإنساني والإسلامي، وليست مجرَّد فكرة وأمل يداعب الشعور

↑صفحة ٣٦↑

حتَّى يتخلَّص من التوتّر النفسي، وإنَّما المهدي إنسان معيَّن حيّ يعيش مع الناس ويشاركهم همومهم وآلامهم ويترقَّب مثلهم اليوم الموعود.
ب - ثمّ يثير إثارات مصرّحة وجيهة، مقدّرة أو مضمرة لمشكلة العمر، وكيف ينزل مع القوانين الطبيعية التي تحتّم مروره بمرحلة الشيخوخة والهرم، ومهَّد للجواب من بيان أنواع الإمكان من العملي والعلمي والمنطقي, أو الفلسفي، ثمّ يقول: ماذا لو افترضنا أنَّ قانون الشيخوخة قانون صارم, وإطالة العمر خلاف القوانين الطبيعية التي دلَّنا عليها الاستقراء؟
وجوابه حينئذٍ: يكون المقام من قبيل المعجزة، وهي بمفهومها الديني أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر ممَّا كانت عليه.
أهمّ شبهات المنكرين:
١ - إنَّ الشيعة وقعوا في اضطراب بعد وفاة العسكري (عليه السلام) وتفرَّقوا إلى أربع عشرة فرقة في مسألة الإمام بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام), ولو كان أمر الإمام المهدي واضحاً لما جاز الاختلاف فيه.
٢ - الروايات التي تتحدَّث عن هويّة الإمام ضعيفة وموضوعة، سواء ما يتعلَّق باسم أُمّه، أم بتاريخ ولادته، أم بما لابس ولادته, أم بغيبته وسفرائه.

↑صفحة ٣٧↑

الجواب: وردّاً على هذه الإشكالات نقول:
إنَّ وجود الغموض في تحديد هويّة الإمام لو صحَّ - كما صوَّره الخصم وضخَّمه - فهو دليل عليهم, لا لهم. إذ عدم تحديد الهويّة والإصرار على بقاء الأمر سرّاً دليل على وجود الإمام والخوف عليه من الأعداء لا على عدم وجوده، فالأئمّة (عليهم السلام) كما وردت الروايات لم يريدوا الكشف عن التفاصيل. فممَّا روي عنهم (عليهم السلام):
عن زرارة بن أعين، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم»، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: «يخاف - وأشار بيده إلى بطنه وعنقه -»، ثمّ قال: «وهو المنتظر الذي يشكُّ الناس في ولادته, فمنهم من يقول إذا مات أبوه: مات ولا عقب له، ومنهم من يقول: قد وُلِد قبل وفات أبيه بسنتين، لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يجب أن يمتحن خلقه, فعند ذلك يرتاب المبطلون»(٧٣).
وقولهم بضعف الروايات واختلافها مردود بالروايات المتواترة عن الشيعة والسُنّة. ومن العجب ما قيل: إنَّ وجود الاختلاف والتفرّق يكون سبباً إلى نفي أصل فكرة الإمام الذي يستلزم أن تنكر الإسلام، بل من أهل السُنّة من اعترفوا بأنَّ الإمام الموعود هو محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام), وأنَّه باقٍ إلى الآن, فمنهم:
١ - محمّد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ)، (مطالب السؤول/ الباب الثاني عشر).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) بحار الأنوار ٥٢: ٩٥/ ح ١٠، عن كمال الدين: ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٤.

↑صفحة ٣٨↑

٢ - محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ)، (البيان في أخبار صاحب الزمان/ الباب الأخير).
٣ - علي بن محمّد المشهور بابن الصبّاغ المالكي (ت ٨٥٥هـ)، (الفصول المهمّة/ الفصل الثاني عشر).
٤ - سبط بن الجوزي (ت ٦٥٤هـ)، (تذكرة الخواصّ/ في الفصل المعقود للإمام المهدي (عليه السلام)).
٥ - عبد الوهّاب الشعراني (ت ٩٧٣هـ)، (اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر).
٦ - محيي الدين بن عربي (ت ٦٣٨ هـ)، (الفتوحات المكّية/ الباب السادس والستّين وثلاثمائة).
٧ - صلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤ هـ)، (شرح الدائرة).
٨ - محمّد بن علي بن طوطون (الأئمّة الاثنا عشر).
وغير هؤلاء، وكيفما كان فقد نجد في القرون الماضية وفي قرننا الحالي من أنكر وشكَّك فيه إمَّا تأثّراً بمناهج مادّية، أو بسبب عصبية مذهبية، أو لجهل ما أودع في الصحاح والمسانيد والسنن من مئات الروايات، أو عدم الإيمان بالغيب, أو لأجل الإساءة ونحو ذلك.
خصوصيات الإمام المهدي (عليه السلام):
١ - إنَّ في رواياتنا أنَّ حكومة المهدي (عليه السلام) ستكون كحكومة داود (عليه السلام)، أي لا يأخذ بالقواعد والأحكام الظاهرية، وإنَّما يحكم طبق الواقع.

↑صفحة ٣٩↑

ففي الرواية عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائم آل محمّد عليه وعليهم السلام حكم بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كلّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٥ و٧٦]»(٧٤).
وعنه (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) حكم بحكم داود وسليمان, لا يسأل بيّنة»(٧٥)(٧٦).
٢ - إنَّ أنصار المهدي وأعوانه هم أُسُد في النهار رهبان في الليل، لم يسبقهم الأوّلون ولا يدركهم الآخرون، أسماؤهم في الأرض مجهولة.
فعن حذيفة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إذا كان عند خروج القائم ينادي منادٍ من السماء: أيّها الناس قطع عنكم مدَّة الجبّارين وولي الأمر خير أمّة محمّد فالحقوا بمكّة، فيخرج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٤) الإرشاد ٢: ٣٨٦؛ بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ٨٦.
(٧٥) الكافي ١: ٣٧٩/ باب في الأئمّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود.../ ح ١.
(٧٦) وما يقال من أنَّ الإمام لماذا لم يحكم بحكم الإسلام وإنَّما يحكم بحكم داود وسليمان!؟ فمردود لأنَّ إثبات شيء لشيء لا يدلُّ نفيه عمَّا عداه، بل قد أكَّدنا سابقاً على أنَّ الإمام يحكم بسُنّة الرسول ويجيء معالم الدين الإسلامي لا أنَّه يأتي بشريعة ودين جديد. وأمَّا لماذا لا يسأل عن البيّنة؟ فلأنَّ البيّنة أمارة شرعية تعبّدية ظاهرية عند انسداد باب معرفة الواقع، ومع تكامل العلوم وازدياد الشواهد والقرائن لا تصل النوبة إلى البيّنة، بل يمكن معرفة الواقع عن طرق علمية للتكامل العلمي وسعته كما كان عليه في زمن داود وسليمان (عليهما السلام).

↑صفحة ٤٠↑

النجباء من مصر, والأبدال من الشام, وعصائب العراق، رهبان بالليل ليوث بالنهار، كأنَّ قلوبهم زبر الحديد، فيبايعونه بين الركن والمقام...»(٧٧).
وروى الحاكم بإسناده عن محمّد بن الحنفية، قال: كنّا عند علي (رضي الله عنه) فسأله رجل عن المهدي, فقال علي (رضي الله عنه): «هيهاتَ»، ثمّ عقد بيده سبعاً, فقال: «ذاك يخرج في آخر الزمان, إذا قال الرجل: الله الله قتل, فيجمع الله تعالى له قوماً قزع(٧٨) كقزع السحاب, يؤلّف الله بين قلوبهم, لا يستوحشون إلى أحد(٧٩), ولا يفرحون بأحد, يدخل فيهم على عدَّة أصحاب بدر, لم يسبقهم الأوّلون, ولا يدركهم الآخرون, وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر...»(٨٠).
وروى المدائني في كتاب (صفّين)، قال: خطب علي (عليه السلام) بعد انقضاء أمر النهروان، فذكر طرفاً من الملاحم، قال: «... فيا ابن حرّة(٨١) الإماء، متى تنتظر! أبشر بنصر قريب من ربّ رحيم. ألا فويل للمتكبّرين، عند حصاد الحاصدين، وقتل الفاسقين. عصاة ذي العرش العظيم، فبأبي وأُمّي من عِدَّة قليلة! أسماؤهم في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) الاختصاص: ٢٠٨؛ بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٤/ ح ٧٣.
(٧٨) القزع: قطع من السحاب رقيقة. (الصحاح ٣: ١٢٦٥/ مادّة قزع).
(٧٩) هكذا في المصدر، وفي بعض المصادر: (لا يستوحشون على أحد).
(٨٠) مستدرك الحاكم ٤: ٥٥٤.
(٨١) هكذا في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وفي ينابيع المودَّة: (خيرة الإماء).

↑صفحة ٤١↑

الأرض مجهولة، قد دان(٨٢) حينئذٍ ظهورهم، ولو شئت لأخبرتكم بما يأتي ويكون من حوادث دهركم ونوائب زمانكم، وبلايا أيّامكم، وغمرات ساعاتكم...»(٨٣).
والمستفاد: أنَّ أسماءهم مجهولة، فلا مجال لتطبيقهم على مصاديق خارجية، ومن الانحراف المبادرة إلى عملية التطبيق. فهي كالتوقيت منهيٌّ عنها وإساءة لها.
٣ - الملائكة من أعوان المهدي وأنصاره أيضاً.
في حديث عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «فلو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يأتيهم رجل من أهل بيتي، تكون الملائكة بين يديه ويظهر الإسلام»(٨٤).
وفي آخر: «المهدي يبايع بين الركن والمقام, ويخرج متوجّهاً إلى الشام وجبرئيل على مقدمته, وميكائيل على ساقته...»(٨٥).
٤ - الإمام يثبّت الواقع العالمي ويفكّك فساده بنفس الأدوات التي تؤمن بها المجتمعات.
٥ - الكوفة عاصمة له كجدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
روى أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي: «يا أبا محمّد, كأنّي أرى نزول القائم (عليه السلام) في مسجد السهلة بأهله وعياله», قلت: يكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) هكذا في المصدرين، ويحتمل أنَّه تصحيف: (دنا).
(٨٣) راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ١٣٥؛ ينابيع المودَّة ٣: ٤٣٤/ ح ٤.
(٨٤) تحفة الأشراف ٩: ٤٢٨/ ح ١٢٨١٠؛ العطر الوردي: ٦٥ عن الترمذي, على ما في معجم أحاديث المهدي ١: ١٥٦/ ح ٨٤.
(٨٥) العطر الوردي: ٦٤، على ما في معجم أحاديث المهدي ١: ٥٠٤/ ح ٣٤٥.

↑صفحة ٤٢↑

منزله جُعلت فداك؟ قال: «نعم، كان فيه منزل إدريس، وكان منزل إبراهيم خليل الرحمن، وما بعث الله نبيّاً إلّا وقد صلّى فيه، وفيه مسكن الخضر، والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»، إلى أن قال: «أنزيدك؟»، قلت: نعم، قال: «هو من البقاع التي أحبَّ الله أن يُدعى فيها، وما من يوم ولا ليلة إلّا والملائكة تزور هذا المسجد يعبدون الله فيه، أمَا إنّي لو كنت بالقرب منكم ما صلَّيت صلاةً إلّا فيه، يا أبا محمّد ولو لم يكن له من الفضل إلّا نزول الملائكة والأنبياء فيه لكان كثيراً، فكيف وهذا الفضل؟ وما لم أصف لك أكثر»، قلت: جُعلت فداك لا يزال القائم (عليه السلام) فيه أبداً؟ قال: «نعم», قلت: فمن بعده؟ قال: «هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق»(٨٦).
الإساءة إلى فكرة المهدي (عليه السلام):
فقد ورد عن علي بن عاصم, عن عطاء بن السائب, عن أبيه, عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تقوم الساعة حتَّى يخرج المهدي من ولدي, ولا يخرج المهدي حتَّى يخرج ستّون كذّاباً كلّهم يقول: أنا نبيّ»(٨٧).
وورد عن الحسن بن علي الوشّاء, عن أحمد بن عائذ, عن أبي خديجة, عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لا يخرج القائم حتَّى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم, كلّهم يدعو إلى نفسه»(٨٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) المزار لابن المشهدي: ١٣٤ و١٣٥/ ح ٧.
(٨٧) الإرشاد ٢: ٣٧١؛ إعلام الورى ٢: ٢٧٩.
(٨٨) الإرشاد ٢: ٣٧٢.

↑صفحة ٤٣↑

نعم، قد أُسيء للفكرة المهدوية على مرّ التاريخ من أصحاب الهوى وعبّاد النفس، بين مدَّعي أنَّه المهدي, وبين مدَّعي النيابة والبابية، وبين الارتباط النسبي, وبين اللقاءات الخاصّة.
ولنا أن نصف هؤلاء أنَّهم مغفَّلون وضالّون في عصر الغيبة, فمنهم:
١ - أحمد بن هلال الكرخي, كان من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام), وبعد وفاته (عليه السلام) وتقليد محمّد بن عثمان النيابة عن الإمام المنتظر (عليه السلام) حسده على ذلك، وقد خرج توقيع بلعنه(٨٩).
٢ - الحسن الشريعي, كان من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام), إلّا أنَّه ادَّعى لنفسه النيابة عن الإمام، ونسب إلى الأئمّة الطاهرين ما لا يليق بهم، ثمّ كفر، وخرج توقيع بلعنه(٩٠).
٣ - الحسن بن منصور الحلاَّج, ادَّعى النيابة عن الإمام المنتظر، وأخذ يراسل أعيان الشيعة بذلك, فراسل أبا سهل النوبختي, وأراد منه الانضمام إليه, ووعده بما يريد من المال, فقال النوبختي: إنّي رجل أُحبّ الجواري وأصبو إليهنَّ...، ولكن الشيب يبعدني عنهنَّ, وأحتاج أن أخضبه في كلّ جمعة، وأتحمَّل منه مشقة شديدة...، وأُريد أن تعينني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فبهت الحلاَّج وانتشرت قصَّته وصار أُضحوكة الجميع(٩١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٩) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٩/ ح ٣٧٤.
(٩٠) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٧/ ح ٣٦٨.
(٩١) راجع: الغيبة للطوسي: ٤٠١ و٤٠٢/ ح ٣٧٦.

↑صفحة ٤٤↑

٤ - محمّد بن عليّ الشلمغاني (ابن أبي العزاقر), كان مستقيم الطريق، حمله الحسد فترك مذهبه واعتنق المذاهب الرديئة، وكان من مذهبه ترك العبادات كلّها وإباحة الفروج من ذوي الرحم, وأنَّه لا بدَّ للفاضل أن ينكح المفضول ليولج منه النور. وقد خرج التوقيع بالبراءة منه والتكفير(٩٢).
٥ - محمّد بن نصير النميري, من أصحاب العسكري (عليه السلام), فلمَّا توفّي الإمام، ادَّعى أنَّه نائب الإمام. وفضحه أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)، بل فضحه الله بما ظهر منه من الإلحاد والجهل. وقد لعنه محمّد بن عثمان العمري وتبرَّأ منه واحتجب عنه، فبلغه ذلك فقصد محمّد بن عثمان ليعطف بقلبه عليه، أو يعتذر إليه فلم يأذن له وحجبه وردَّه خائباً، وكان يقول بالتناسخ, ويغلو في أبي الحسن (عليه السلام) ويقول له بالربوبية، ويقول بالإباحة بالمحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنَّ ذلك من التواضع والتذلّل في المفعول به، وإنَّه من الفاعل إحدى الشهوات والطيّبات(٩٣).
٦ - أبو طاهر محمّد بن علي بن بلال, وقصَّته معروفة فيما جرى بينه وبين أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري نضَّر الله وجهه، وتمسّكه بالأموال التي كانت عنده للإمام، وامتناعه من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٢) راجع: الكنى والألقاب ٢: ٣٦٦.
(٩٣) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٨ و٣٩٩/ ح ٣٦٩ - ٣٧٣.

↑صفحة ٤٥↑

تسليمها, وادّعائه أنَّه الوكيل, حتَّى تبرَّأت الجماعة منه ولعنوه, وخرج فيه من صاحب الزمان (عليه السلام) ما هو معروف(٩٤).
٧ - أحمد بن أبي الحسين, وهو وارث النميري، لمَّا اعتلَّ محمّد بن نصير العلة التي توفّي فيها، قيل له وهو مثقل اللسان: لمن هذا الأمر من بعدك؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد، فلم يدروا من هو, فافترقوا بعده ثلاث فِرَق، قالت فرقة: إنَّه أحمد ابنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن محمّد بن موسى بن الفرات، وفرقة قالت: إنَّه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد، فتفرَّقوا, فلا يرجعون إلى شيء(٩٥).
كما أنَّ هناك فِرَقاً أخرى حتَّى قبل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام), منها:
١ - الكيسانية: ادَّعت أنَّ محمّد بن الحنفية هو المهدي الغائب.
ينقل الشيخ الصدوق عن السيّد الحميري قوله: كنت أقول بالغلو، وأعتقد غيبة محمّد بن علي (ابن حنيفة)، قد ضللت في ذلك زماناً، فمَنَّ الله عليَّ بالصادق جعفر بن محمّد(٩٦).
٢ - المغيرية: ادَّعت أنَّ محمّد بن عبد الله بن الحسن هو المهدي الغائب(٩٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٤) الغيبة للطوسي: ٤٠٠.
(٩٥) راجع: الغيبة للطوسي: ٣٩٩/ ح ٣٧٣.
(٩٦) كمال الدين: ٣٣.
(٩٧) راجع: الملل والنحل ١: ١٧٦.

↑صفحة ٤٦↑

٣ - الناووسية: ادَّعت أنَّ الصادق (عليه السلام) هو المهدي(٩٨).
٤ - الواقفية: ادَّعت أنَّ موسى بن جعفر (عليه السلام) هو المهدي(٩٩).
٥ - الباقرية: ادّعت أن الباقر هو المهدي.(١٠٠)
٦ - المحمّدية: ادَّعت أنَّ محمّد بن علي العسكري (عليه السلام)(١٠١) هو المهدي(١٠٢).
٧ - الشمطية: وتدَّعي هذه الفرقة أنَّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) توفّي وكان الإمام بعده محمّد بن جعفر واعتلّوا في ذلك بحديث تعلَّقوا به، وهو أنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) على ما زعموا كان في داره جالساً فدخل عليه محمّد وهو صبي صغير فعدا إليه فكبا في قميصه ووقع لوجهه، فقام إليه أبو عبد الله (عليه السلام) فقبَّله ومسح التراب عن وجهه وضمَّه إلى صدره, وقال: سمعت أبي يقول: «إذا ولد لك ولد يشبهني فسمّه باسمي، وهذا الولد شبيهي وشبيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى سُنّته وشبيه علي (عليه السلام)»، وهذه الفرقة تسمّى الشمطية بنسبتها إلى رجل يقال له: يحيى بن أبي الشمط(١٠٣).
٨ - المباركية: وهم فرقة من الإسماعيلية, قالوا بإمامة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) راجع: الغيبة للطوسي: ٢١.
(٩٩) راجع: الغيبة للطوسي: ١٩٨.
(١٠٠) راجع: الملل والنحل ١: ١٦٥.
(١٠١) أي محمّد بن الإمام الهادي (عليه السلام) المعروف بـ (سبع الدجيل).
(١٠٢) راجع: الغيبة للطوسي: ١٩٨.
(١٠٣) راجع: الفصول المختارة: ٣٠٦.

↑صفحة ٤٧↑

محمّد بن إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام), وهو الإمام القائم المهدي, وهو حيّ لم يمت(١٠٤).
ويذكر لنا التاريخ من ادّعاها في الغيبة الكبرى فنذكر على سبيل المثال لا الحصر:
١ - مهدي تهامة: ظهر في اليمن، واتَّبعه فريق من الأعراب واستطاع القضاء على دولة الحمدانيين في صنعاء، وعلى دولة النجاحية وأعقبه حفيده عبد النبيّ(١٠٥).
٢ - مؤسّس الدولة الفاطمية عبد الله ادَّعى أنَّه المهدي(١٠٦).
٣ - مؤسس دولة الموحّدين محمّد بن تومرت ادَّعى أنَّه المهدي, وذلك في سنة (٥٢٤ هـ)(١٠٧).
٤ - ظهر في أيّام الدولة المرينية بفاس رجل يُدعى التويزدي واجتمع حوله رؤساء صنهاجة(١٠٨).
٥ - قام رجل اسمه العبّاس (٦٩٠ هـ) في نواحي الريف من المغرب(١٠٩).
وهناك نماذج في عصورنا الحديثة أمثال:
١ - مهدي السودان، حسني من جهة الأب، عبّاسي من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٤) راجع: الفصول المختارة: ٣٠٥.
(١٠٥) راجع: حياة الإمام المهدي (عليه السلام): ١٤٣ و١٤٤.
(١٠٦) راجع: البداية والنهاية ١١: ٢٠٣.
(١٠٧) راجع: الكامل في التاريخ ١٠: ٥٦٩.
(١٠٨) راجع: عصر الظهور: ٣٦٦.
(١٠٩) المصدر السابق.

↑صفحة ٤٨↑

جهة الأُمّ. قصده أحد المنجّمين فخرَّ على الأرض، فسُئل, فقال: نظرت أنوار المهدية على وجهه، وقد أذاع أحد مشايخ السودان ظهور المهدي وعلامته أنَّه سوف يشيّد قبّة على ضريحي ويختن أولادي، وبعد وفاته قام المهدي بكلا الأمرين, وكانت بداية الدعوة (١٨٨١م), وقام بالدعوة تلامذته الذين كان يغدق عليهم المال، ممَّا سبَّب تهالكهم للدعوة إليه، وقال في رسالة له:
من العبد المفتقر إلى الله محمّد المهدي بن عبد الله إلى أحبّائه المؤمنين بالله وبكتابه.
أمَّا بعد، فلا يخفى تغيّر الزمن وترك السنن, ولا يرضى بذلك ذوو الإيمان والفطن، بل أحقّ أن يترك لذلك الأوطار والوطن لإقامة الدين والسنن، ولا يتوانى عن ذلك عاقل، لأنَّ غيرة الإسلام للمؤمن تجبره..، ثمّ أحبّائي كما أراد الله في أزله وقضائه، تفضَّل على عبده الحقير الذليل بالخلافة الكبرى من الله ورسوله, وأخبرني سيّد الوجود (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بأنّي المهدي المنتظر...، ثمّ أخبرني سيّد الوجود (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بأنَّ الله جعل لي على المهدية علامة وهي الخال على خدّي الأيمن, وكذلك جعل لي علامة أخرى: تخرج راية من نور وتكون معي في حالة الحرب يحملها عزرائيل (عليه السلام)...، وجاء في الأثر: إذا رأيتم العالم يحبّ الدنيا فاتَّهموه على دينكم. وجاء في بعض كتبه القديمة: لا تسأل عنّي عالماً أسكره حبّ الدنيا فيصدّك عن طريق محبَّتي, فأولئك قطّاع الطريق على عبادي، ولمَّا حصل لي يا أحبابي من الله ورسوله أمر الخلافة الكبرى أمرني سيّد الوجود (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بالهجرة إلى ماسة بجبل قدير، وأمرني أن أُكاتب بها جميع

↑صفحة ٤٩↑

المكلَّفين أمراً عامّاً, فكاتبنا بذلك الأمراء ومشايخ الدين, فأنكر الأشقياء, وصدَّق الصدّيقون...، وقد أخبرني سيّد الوجود (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بأنَّ من شكَّ في مهديتك فقد كفر بالله ورسوله...، وأنا خالٍ من الموانع الشرعية, لا بنوم, ولا جذب، ولا سكر, ولا جنونٌ، بل متَّصف بصفات العقل, أقفوا أثر رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
وخاض معارك فاز فيها وانقادت السودان كلّها للمهدي, وأظهر عداءه للانكليز.
٢ - مهدي السنغال: في سنة (١٨٢٨م) ظهر في السنغال رجل ادَّعى أنَّه المهدي المنتظر, ورفع راية الثورة على الحكم القائم, إلّا أنَّه فشل وقتل.
٣ - مهدي السوس (إحدى قرى مدن المغرب العربي): وتبعه كثيرون من الغوغاء, وقبل أن يتمَّ دعوته وينشر مبادئه وأهدافه قتل غيلة.
٤ - مهدي الصومال: ادَّعى محمّد بن عبد الله أنَّه الإمام المنتظر وذلك في سنة (١٨٩٩م), وكان له نفوذ واسع في قبيلته (أوجادين), وقد حارب البريطانيين والإيطاليين والأحباش ما يقارب (٢٠) عاماً حتَّى توفى سنة (١٩٢٠م)(١١٠).
٥ - ثورة عراج بمصر: ظهر رجل في السودان اسمه جاسم محمّد أحمد سنة (١٣٠٠هـ) ادَّعى أنَّه المهدي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) راجع: حياة الإمام المهدي (عليه السلام): ١٣٩ - ١٤٤.

↑صفحة ٥٠↑

٦ - القاديانية: كان القادياني مضطرب الأفكار مبتلى بأنواع من الأمراض والأسقام، كما كان يعاني الكثير من المشاكل الاقتصادية، وكان مثل هذا الرجل صالحاً لأن يقع فريسة في أيدي الانكليز، وقد تظاهر الرجل في أوّل أمره بالدفاع عن الإسلام، وحاز ثقة كثير من العامّة والخاصّة، ولكنَّه لم يلبث أن أعلن عام (١٨٨٥م) أنَّه مجدّد للإسلام، وفي سنة (١٨٩١م) ادَّعى أنَّه المهدي الموعود، وقد ألَّف عدَّة كتب سمّى نفسه فيها مهدياً (حقيقة المهدي، لوح المهدي)، ولما مات ألَّف ابنه بشير أحمد سيرة أبيه وسمّاه سيرة المهدي، وكذلك ألَّف أحد أتباعه (محمّد حسين القادياني) كتاب المهدي، وقد تنبَّأ هذا المسكين تنبّؤات لا تعدُّ ولا تحصى وادَّعى المباهلة(١١١).
وأخيراً من الصعب جدّاً إحصاء عدد الذين ادَّعوا المهدوية في التاريخ الإسلامي. ولكن كثيراً منهم لم يحالفهم الحظّ فانتهت دعوتهم عليهم أو على بعض الأتباع الخاملين، ولم تحصل لهم قوَّة ولا شوكة فبقيت أمانيّهم وأحلامهم مدفونة في صدورهم، ولذلك لم ينعكس في التاريخ, فمنها:
البابية: التي ظهرت في كربلاء (١٢٥٣هـ) من قبل محمّد علي باب بن ميرزا رضا البزّاز الشيرازي. فإنَّ محمّداً كان فتى جاهلاً لم يكن يعرف من العلم شيئاً ولا يفقه ماذا يقول، ولكنَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) راجع: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة لعبد العليم البستوي: ١١٢.

↑صفحة ٥١↑

كان ميّالاً إلى الغلوّ في الزهد والعبادة، فاستغلَّه الملاَّ حسن البشروئي أحد تلاميذ كاظم الرشتي. وكان هذا البشروئي على اتّصال وثيق مع أحد الجواسيس الروسيين في السفارة الروسية في إيران ويسمّى كنيازد الكوركي، وكان البشروئي يواصل الاجتماع مع هذا الشاب المغترّ وأصبح يوحي إليه أنَّه سيكون له شأن وأنَّ ظهور المهدي المنتظر قد دنى أجله، حتَّى أعلن علي محمّد الشيرازي (١٢٦٠هـ) أنَّه باب المهدي المنتظر. وكان في الخامسة والعشرين من عمره، ونصَّب البشروئي نفسه باباً للباب. ولم تمض مدَّة طويلة حتَّى سوَّل له البشروئي أن يعلن بأنَّه هو المهدي المنتظر. ثمّ سجن الباب في ماكو(١١٢)، واجتمع جماعته في الصحراء وقرَّروا فيه نسخ دين الإسلام وشيوع المرأة والمال وإلغاء التكليف. وعرضت قراراتهم على الباب في سجنه فوافقهم.
وبعد موته انقسم البابيون إلى فريقين:
١ - أتباع يحيى علي المازندراني الملقَّب بـ (صبح أزل).
٢ - آخرون اتَّبعوا حسين علي الملقَّب ببهاء الدين الذي بسببه نشأت البهائية(١١٣).
ومنها: حركة محمّد بن عبد الله القرشي حيث سيطر أنصاره على الحرم المكّي، وأذاع معاونه جهيمان من داخله بياناً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٢) وهي مدينة في أذربيجان.
(١١٣) راجع: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة لعبد العليم البستوي: ١٠٩ - ١١١.

↑صفحة ٥٢↑

دعا فيه المسلمين إلى بيعة القرشي، وقد استمرَّ احتلالهم للحرم أيّاماً ولم تستطع الحكومة السعودية أن تتغلَّب عليهم إلّا بعد أن استدعت فرقة كوماندوز خاصّة من فرنسا(١١٤).
وغيرهم ممَّا لا يتَّسع البحث لذكرهم...
وهناك ضالّون مدَّعون أنَّهم المهدي (كما في قضيّة عمر بن عبد العزيز)، أو مدَّعون أنَّهم هم النفس الزكية، أو مدَّعون كونهم اليماني، أو أصحاب الرايات السود.
فإنَّ كلّ هذه العناوين حقّة. إنَّما التحفّظ في تطبيقها على أزمنة خاصّة، أو أفراد معيَّنين. والتاريخ شاهد صدقٍ على الإساءة في عالم التطبيق.
مناشئ الادّعاءات الباطلة:
تنشأ هذه الظواهر المغرضة إمَّا في المجتمع المفلس والمضطهد من نير الظلم والفقر والاضطهاد والاحتلال، وعدم وجود الملجأ والمأوى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى القائد يريد لنفسه المشروعية وكثرة النصرة وتسكين ما سيحلُّ عليهم من أضرار المواجهة، فيتوسَّل بمثل هذه الدعاوى. لأنَّ هذه الدعاوى بشكل عامّ تجرُّ نفعاً لأصحابها، فتكون الدعاوى دكّاناً للتكسّب وتحصيل الوجاهة، سيّما إذا كان أصحابها نكرات أو أصحاب أمراض نفسية، وإمَّا أنَّ هذه الدعاوى حركات مسيَّسة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٤) راجع: عصر الظهور: ١٣.

↑صفحة ٥٣↑

يدفعها الحبر السحري. فالساسة يختلقون هذه الحركات لشغل المسلمين بينهم ولتمزيق صفّ الأمّة، وإمَّا لتحصيل الورقة الخضراء للتسويغ في ارتكاب المعاصي والمحرَّمات، وكيفما كان فإنَّ أدلَّة هذه الدعاوى تتراوح بين:
١ - الاستعانة بالتراث غير الثابت والأدلَّة الواهية.
٢ - أو الاعتماد على بعض العلامات العامّة المذكورة في الروايات والسعي إلى تطبيقها، كما مرَّ علينا في دعوى مهدي السودان.
٣ - أو التعويل على العلوم الغريبة والمبهمات والفنون الشاذّة المحرَّمة بنظر الشرع.
٤ - أو محاربة العلماء وطريقتهم، والاستعانة بالطرق الروحية الصوفية الهندوسية.
٥ - أو إقامة الأدلَّة السطحية التي تنطلي على جمع من البشر، إذ ما من مدَّع إلّا وله أدلَّة، لاسيّما أدلَّة الكشف والشهود والمنامات والإلهامات. وتكون تلك الأدلَّة قريبة (بالنظر الأولي غير الفاحص) إلى أدلَّة الأنبياء والأوصياء. ومن هنا يقيسون أدلَّتهم على أدلَّة الأنبياء والأوصياء، وأنَّ الطعن في أدلَّتهم طعن في أدلَّة الأنبياء والأوصياء، لكن بالنظر الفاحص والرجوع إلى المتخصّص يظهر البون الشاسع بين الدليلين، وعليه لا بدَّ من مواكبة المتخصّص والتعويل عليه للتشخيص والتطبيق في كلّ خطوات الدليل.

↑صفحة ٥٤↑

ألم يدَّع الربوبية؟ ألم يقم الدليل على ذلك؟ ألم يكن هناك أنصار لها؟ فإنَّ الهمج الرعاء ينعقون مع كلّ ناعق، ألم يسجّل التاريخ آلاف الدعاوى الفاسدة والمذاهب الضالّة؟ فليس بغريب دعوى المهدوية أو البابية أو المهديون أو نحو ذلك. وإنَّ الموجب لتلك الدعاوى هو الموجب لهذه الدعاوى، وإنَّ المعالج لتلك الدعاوى هو المعالج لمثل هذه الدعاوى.
نتائج البحث:
١ - لا شكَّ في وجود الدعاوى الباطلة والواهية. وهي ليست بقليلة وصدرت في مختلف الأماكن والأزمان، ولم يمرّ زمن إلّا وفيه دعاوى باطلة. وليست ظاهرة الانحراف مستحدثة، بل هي موجودة على مرّ الأزمان، كما أنَّه لا شكَّ في أنَّ أصحاب هذه الدعاوى لكسب المقبولية يتشبَّثون بالأدلَّة والاستعانة بظاهرة الترغيب والترهيب. وقد عالج أهل البيت (عليهم السلام) هذا الانحراف بإرجاع الأمّة والقواعد الجماهيرية إلى العلماء الرواة.
وبكلمة إنَّ الذين أوصلوا لنا روايات أهل البيت (عليهم السلام) في ظاهرة الإمام المهدي هم الذين حدَّثونا عن معالجات فترة الغيبة الكبرى، وهم الذين قالوا: (الحقّ عندنا أنَّ كلّ من ادَّعى بعد السمري البابية فهو ضالّ كافر)، وهذا هو قول جعفر بن محمّد بن قولويه)(١١٥)، وغيرهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) منتهى المقال ٧: ٤٨٩.

↑صفحة ٥٥↑

وهم الذين نقلوا لنا رواية: من ادَّعى الرؤية في زمن الغيبة الكبرى فلا تصدّقوه»، وورد: «ألاَ فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر»(١١٦).
وحينئذٍ كيف يمكن الجمع بين هذه الرواية وبين ما هو المسجَّل في أسفار القوم من التشرّف برؤية الإمام.
الجمع الأوّل: إنَّ المقصود من الرؤية مع السفارة والنيابة، أي من ادَّعى الرؤيا على سبيل النيابة الخاصّة فلا تصدّقوه، لأنَّ المفروض أنَّه في زمن الغيبة الكبرى لا توجد نيابة شخصية، نعم الثابت النيابة العامّة لقوله (عليه السلام): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم»(١١٧).
الجمع الثاني: إنَّ المقصود بالرؤية التي يراد منها ترتيب آثار معيَّنة على قول الرائي، لأنَّ هذا أمر مشكل، وهو أن يأتي إنسان فيقول: رأيت الإمام (عليه السلام) وقال لي: كذا. فإنّا إذا فتحنا الباب أمام هذا المعنى يعني أن نصدّق كلّ من يدَّعي الرؤية. فإنَّ ذلك يولّد إرباكاً كبيراً في العقائد وفي الأحكام، ومن هنا ذكر العرفاء أنَّ مدَّعي المكاشفة لا يصدَّق، بل كما أنَّ العلوم الحصولية بحاجة إلى ميزان لصحَّتها، كذلك العلوم الحضورية لا بدَّ لها من ميزان على صحَّتها. وهكذا الكلام في مدَّعي الرؤية وإلّا لزم التناقض. فإنَّ مدَّعي الرؤية يدَّعون أحياناً التكاذب والتكفير والقتل.
فالمتحصّل أنَّ المقصود من النائب في زماننا هو عبارة عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٦) كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٣.
(١١٧) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.

↑صفحة ٥٦↑

الفقيه العادل الجامع للشرائط الذي يقوم مقام الإمام (عليه السلام) في تبليغ أحكام الدين، وفي إدارة شؤون المسلمين وحفظ بيضة الإسلام، ولا يحقُّ للنائب أن ينقل عن الإمام مباشرة. ولا يوجد عندنا نائب اليوم من النوّاب ينقل مباشرة عن الإمام، وإنَّما نرى علماءنا من بداية عصر الغيبة إلى يومنا يدَّعون الإجماع والاتّفاق على نفي النيابة الخاصّة في عصر الغيبة الكبرى.
هذا هو المستفاد من الروايات حسب الرؤية المذهبية وما سوى ذلك لم يثبت أنَّه من المذهب.

* * *

↑صفحة ٥٧↑

مصادر التحقيق

القرآن الكريم.
الاحتجاج: الطبرسي/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
الاختصاص: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
إعلام الورى: الطبرسي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة آل البيت/ قم.
الأمالي: الشيخ الصدوق/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة البعثة.
الأمالي: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي.
بحار الأنوار: المجلسي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسسة الوفاء/ بيروت.
البداية والنهاية: ابن كثير/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ دار إحياء التراث العربي.
بصائر الدرجات: الصفّار/ ١٤٠٤هـ/ منشورات الأعلمي/ طهران.
تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ دار الكتب العلمية.
تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
تاريخ مواليد الأئمّة: ابن الخشّاب البغدادي/ ١٤٠٦هـ/ مكتبة المرعشي.
تحف العقول: الحرّاني/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.

↑صفحة ٥٨↑

تفسير مجمع البيان: الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
الجامع الصغير: السيوطي/ ط١/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
حياة الإمام المهدي: الشيخ القرشي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط أمير.
الخصال: الشيخ الصدوق/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرسين/ قم.
الدرّ المنثور: السيوطي/ دار المعرفة/ بيروت.
دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مؤسسة البعثة.
سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ دار الفكر/ بيروت.
سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني/ ط١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر.
سنن الترمذي: الترمذي/ ط٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
سنن الدارقطني: الدارقطني/ ط١/ ١٤١٧هـ/ دار الكتب العلمية.
السنن الكبرى: البيهقي/ دار الفكر/ بيروت.
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد/ ت محمّد أبو الفضل إبراهيم/ ط١/ ١٣٧٨هـ/ دار إحياء الكتب العربية/ بيروت.
الصحاح : الجوهري/ ط٤/ ١٤٠٧هـ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
صحيح ابن حبان: ابن حبان/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسسة الرسالة.
صحيح البخاري: البخاري/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي/ ط١/ ١٣٨٤هـ/ مط الحيدري.
الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيتمي/ ط١/ ١٩٩٧م/ مؤسسة الرسالة.
العمدة: ابن البطريق/ ١٤٠٧هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق/ ١٤٠٤هـ/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت.

↑صفحة ٥٩↑

الغيبة: الطوسي/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة/ قم.
الغيبة: النعماني/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
الفتن: نعيم بن حماد المروزي/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
الفصول المختارة: الشيخ المفيد/ ط٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
فضائل الصحابة: النسائي/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
قرب الإسناد: الحميري/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مط مهر/ مؤسسة آل البيت/ قم.
الكافي: الشيخ الكليني/ ط٥/ ١٣٦٣ش/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
الكامل في التاريخ: ابن الأثير/ ١٣٨٦هـ/ دار الصادر/ بيروت.
كشف الغمّة: ابن أبي الفتح الأربلي/ ط٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ١٤٠٥هـ/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم.
كنز العمّال: المتّقي الهندي/ ١٤٠٩هـ/ مؤسسة الرسالة/ بيروت.
الكنى والألقاب: الشيخ عبّاس القمي/ مكتبة الصدر/ طهران.
المحاسن: البرقي/ ١٣٧٠هـ/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
المزار: ابن المشهدي/ ط١/ ١٤١٩هـ/ نشر القيّوم/ قم.
المزار: الشيخ المفيد/ ط٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
المستدرك: الحاكم النيسابوري/ إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
مسند أبي داود: سليمان بن داود الطيالسي/ دار المعرفة/ بيروت.
مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي/ دار المأمون للتراث.
مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ دار الصادر/ بيروت.
معجم أحاديث الإمام المهدي: علي الكوراني/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسسة المعارف الإسلاميّة/ قم.

↑صفحة ٦٠↑

المعجم الأوسط: الطبراني/ ١٤١٥هـ/ دار الحرمين.
المعجم الكبير: الطبراني/ ت حمدي عبد المجيد السلفي/ ط٢ مزيَّدة ومنقَّحة/ دار إحياء التراث العربي.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط١/ ١٤١٦/ مؤسسة صاحب الأمر/ أصفهان.
الملل والنحل: الشهرستاني/ دار المعرفة/ بيروت.
منتخب الأنوار المضيئة: بهاء الدين النجفي/ ط١/ ١٤٢٠هـ/ مط اعتماد/ مؤسسة الإمام الهادي.
منهاج السُنّة النبوية: ابن تيمية/ ت محمّد رشاد سالم ط١/ مؤسسة قرطبة.
ينابيع المودّة: القندوزي/ ت علي جمال أشرف الحسيني/ ط١/ ١٤١٦هـ/ دار الأسوة.

* * *

↑صفحة ٦١↑

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved